“البطريرك ساكو يكتب “كنيسة المشرق: ألفا عام من الاضطهاد والرسالة

Posted · Add Comment

نقلا عن موقع أبونا

يعود تاريخ المسيحية في العراق، التي يستهدفها داعش اليوم، إلى عهد الرسل. فقد برهنت عبر الأجيال على تعلّقها الشديد بالإيمان وأعلنت بشارة الإنجيل حتى أقاصي آسيا. وانطلاقًا من القرن الخامس عشر أرست فروعها العديدة علاقاتٍ مع روما وصولاً إلى تفرّعاتها الثلاثة الحاليّة بين كنيسة كلدانيّة وكنيسة المشرق الآشوريّة وكنيسة المشرق القديمة. وهو انقسام يعني، في حال عدم معالجته، موتًا بطيئًا

ربّما كان ينطبق على كنيسة المشرق اليوم، ومن غير مبالغة، كلامُ النبيّ أشعيا: «لا صورة له ولا بهاءَ فننظرَ إليه، ولا منظرَ فنشتهيَه» (2،53). غير أنّه يكفي أن نزيح حجاب الأحداث الراهنة لنرى جمال وجهها المشوّه! فهذه الكنيسة، التي يستهدفها اليوم مسلّحو داعش في شمال العراق وسوريا والعثمانيون في سفربرلك، قد حافظت على الوجود المسيحيَ في بلاد ما بين النهرين، الذي يعود إلى عهد الرسل. فقد نشأت وسط الاضطهادات، في شبه عزلة واستقلاليَة وعرفت في القرون الوسيطة اندفاعة إرساليَة لا مثيل لها، قادتها إلى أقاصي الصين. ولم تكن أبدًا في تاريخها كنيسة قوميَة بالمعنى الإقصائيّ للكلمة، إذ جمعت تحت جناحيها شعوبًا وأممًا عديدة من بلاد الرافدين إلى الخليج العربيّ، ومن الهند إلى الصين. لذلك فإنّ محاولة تحويلها من سرّ مقدّس وُهب للعالم إلى قوميّة متقوقعة – كما يريدها البعض – يعني تحنيطها. فالكنيسة تتخطّى حدود الأعراق واللغات والقوميّات، لأنّ الكنيسة هي بشرى حياةٍ تتجسّد في كلّ الحضارات والثقافات

ازدهار واضطهاد

ثلاث خصائص أساسيّة ميّزت هذه الكنيسة عبر التاريخ: الاستشهاد تحت الحكم الفارسيّ، الحياة الرهبانيّة التي ازدهرت بعد الاضطهاد، وتشبّثها بالإيمان وبرسالتها خلال العهد الإسلاميّ

من غير العودة إلى التبشير الذي قام به توما الرسول والتلميذان أدّاي وماري، يمكننا القول إنّ كنيسة المشرق قد عرفت ازدهارًا سريعًا في القرون الأولى للمسيحيّة، كما يشهد على ذلك مجمع سلوقية-قطيسفون عام 410. وقد تبنّت في القرن الخامس كريستولوجيا أنطاكية، لكنّ الظروف السياسيّة عزلتها تدريجيًّا عن بقيّة الكنيسة الجامعة. فهي كانت خاضعة للإمبراطوريّة الساسانيّة، التي كانت تنظر بعين الريبة إلى أيّ تواصل مع الإمبراطوريّة الرومانيّة. ولم تظهر تعاليم نسطور العقائديّة رسميًّا إلا في القرن السابع للميلاد. لذلك من غير الصائب تاريخيًّا تسمية هذه الكنيسة بالـ«نسطوريّة». فاسمها الحقيقيّ هو كنيسة المشرق قبل ان تاتي التسميات الأخرى: الكلدانية والاشورية!!. وهي تشمل اليوم، لوقائع تاريخيّة سنسردها، الكنيسة الكلدانيّة وكنيسة المشرق الآشوريّة وكنيسة المشرق القديمة. يحدونا الأمل المتجذّر بأنّ هذه الفروع الثلاثة ستجد يوما ما طريقها إلى الوحدة، لأنّ انقسامها خطيئة ويعني موتًا بطيئًا لها

عندما جاء العرب المسلمون إلى ما يُسمّى اليوم بالعراق وهزموا الجيوش الفارسيّة، كان أكثر من نصف السكّان مسيحيّين ذوي لغة وثقافة سريانيّة. وانتشرت اللغة العربيّة بسرعة، وذلك أيضًا لأنّ الخليفة الأمويّ عبد الملك (685-705) كان قد جعلها اللغة الرسميّة للإدارة العامّة. وسهّل هذا الجوّ الاجتماعيّ الاقتصاديّ السياسيّ الجديد المسيحيّين في تبنّي لغة القادمين، في حين انحسرت اللغة السريانيّة إلى الليتورجيا والأدب

عند انتقال الخلافة إلى بني العبّاس، صار مقرّها في بلاد ما بين النهرين. لعب المسيحيّون في هذه البيئة الجديدة دورًا مميّزًا، حيث سهّلوا التفاعل الثقافيّ وأسهموا إسهامًا واسعًا في الإنتاج الأدبيّ، وبخاصّةٍ في حقل الترجمة. يكفي أن نذكر الأديب الشهير حنين بن إسحق العبادي من الحيرة (قرب الكوفة)، ولغته الأم السريانيّة، الذي نقل 39 كتابًا من اليونانيّة إلى العربية وترجم 95 عملا إلى السريانية. ولم يكن المسيحيّون مجرّد نقلة، بل كانوا عنصر إبداع حقيقيّ وأضافوا إلى ما نقلوه خبرتهم ومعارفهم. وشكّلوا جسرًا حضاريًّا وثقافيًّا بين الشرق والغرب. ومن بين هؤلاء المفكّرين العظام نذكر على سبيل المثال بختيشوع وعائلته في مدرسة جندي سابور الطبّيّة، والذي خدم خلفاء عدّة، وحنين بن إسحق السالف الذكر، والجاثليق طيمثاوس الكبير (780-832) الذي كان أديبًا غزيرًا ومترجمًا متميّزًا اشتُهر بحواراته العديدة مع الخليفة المهدي حول مسائل الدين المسيحيّ والإسلاميّ. وقد نقل هذا الجاثليق الاستثنائي، الذي تشهد مجموعة رسائله على سعة فكره في شتّى المجالات الدينيّة والفكريّة، مقرّ كرسيّه البطريركيّ إلى بغداد

الملفت للنظر أنّ هذا الإرث الأدبيّ لم يحتكره الإكليريكيّون، إذ نجد علمانيّين عديدين كتبوا في اللاهوت والفقه. وعندما بنى الخليفة المعتصم سنة 837 مدينة سامرّاء (نحو 100 كم إلى الشمال من بغداد) عاصمة جديدة للخلافة العبّاسيّة، انتقل البطريرك إليها أيضًا. ثم تخلّى عنها الخليفة المعتمد في سنة 889 عائدًا إلى بغداد، وعاد معه البطريرك، وهذا دليل على اندماج كنيسة المشرق في البيئة الإسلاميّة الجديدة. وبالرغم من أنّ السياسة العبّاسيّة تسبّبت في اعتناق مسيحيّين عديدين الإسلام، إلا أنّ كنيسة المشرق عرفت انتشارًا واسعًا في بلدان أخرى، وتأسّست أسقفيّات في كلّ من دمشق والقدس والإسكندريّة وجزيرة قبرص وبلدان الخليج. وسلك مرسلون رهبان طريق الحرير وحملوا إلى جانب الإنجيل لغتهم السريانيّة وطقوسهم المشرقيّة حتّى الصين.

وفي العام 1258 سقطت الخلافة العبّاسيّة تحت ضربات الغزو المغوليّ، فلم تكن أحوال المسيحيّين في حكم المحتلّ الجديد على وتيرة واحدة. فقد مال بعض ملوك المغول إلى المسيحيّة وأظهر تعاطفًا مع الكنيسة. وكان الخليفة المعتصم قد طلب من البطريرك مكيخا الثاني التفاوض مع هولاكو المغوليّ لعقد هدنة. وعندما سقطت بغداد بأيديهم سُمح للبطريرك بالمكوث في أحد قصور العبّاسيّين. فقد كانت المسيحيّة قد انتشرت بين القبائل المغوليّة في آسيا الوسطى حتى أنّ عبد يشوع الصوباوي (ت عام 1318) أعدّ قائمة بسبع وعشرين كرسيًّا متروبوليتيًّا ومئتي أسقفيّة خاضعة لجاثليق المشرق، وما يقارب ثمانية ملايين مؤمن! غير أنّ فترة التسامح لم تدم طويلاً، فقد وضع غازان خان، بعد اعتناقه الإسلام رسميًّا، قيودًا كثيرة على المسيحيّين، ودمّر بعض الكنائس وحوّلها إلى مساجد كما نهب مقرّ البطريركيّة، فبدأ نجم أهمّ كنيسة إرساليّة في العصور الوسيطة بالأفول. وفي عهد تيمورلنك (1336-1405) اعتنق معظم المغول الإسلام فبدأ اضطهاد المسيحيّين وتدمير الكنائس بشكلٍ منظّم، ممّا دفعهم إلى اللجوء نحو مناطق كردستان الجبليّة. وغدت الأبرشيّات النائية معزولة عن مركز رئاستها الأمّ، وامّحت شيئًا فشيئًا

غير أنّ واقعًا جديدًا طرأ مع عودة الاتصال بالكنيسة اللاتينيّة، فعندما استولى الصليبيّون على الأراضي المقدّسة جاء رهبان غربيّون إلى الشرق وتمّ أوّل لقاء بكنيسة المشرق مع قدوم رهبان فرنسيسكان ودومنيكان إلى البصرة وبغداد والموصل وآمد (دياربكر الحاليّة). من بين هؤلاء المرسلين نذكر وليم أوف ربروك (ت 1280) وريكوردو دي مونتي كروجي (ت 1320) وجيوفاني دي مونتي كورفينو (ت 1328). وفي موازاة هذه الاتصالات عمل بعض المسيحيّين المشرقيّين كديبلوماسيّين بين المغول والغرب. والأكثر شهرة من بينهم هو الراهب برصوما الذي كان مساعدًا للجاثليق مار يهبالاها الثالث (1281-1317). وفي عام 1287 أوفده الملك أرغون خان ليعرض على ملوك الغرب تحالفًا عسكريًّا، فالتقى بالإمبراطور البيزنطيّ أندرونيكوس الثاني، وملك فرنسا فيليب الرابع، وملك إنكلترا أدوارد الأوّل والبابا نيقولاوس الرابع. لكنّ مساعيه باءت بالفشل. ومن الجدير بالذكر أنّ برصوما احتفل خلال مكوثه بروما بالقدّاس في كنيسة مار يوحنا اللاتراني بحسب الطقس الشرقيّ، وحضره البابا وتناول القربان من يديه. وبواسطة برصوما تعرّفت الدوائر الرومانيّة على كنيسة المشرق التي لم ترد لهم عنها، حتّى ذلك الحين، إلا أخبار مبهمة. وبعد موت برصوما في عام 1294 استمرّت المراسلات بين الكرسيّ الرسوليّ ويهبالاها، ولكن من دون نتائج تذكر. وفي عام 1340 حصل اتصال آخر مباشر عندما انضمّ فريق من المسيحيّين المشرقيّين في قبرص إلى الكنيسة الكاثوليكيّة، وسُمّوا كلدانًا. وتجدّد هذا الاتحاد مع كنيسة روما عام 1445 لما أعلن مطرانهم طيمثاوس أسقف طرطوس أيّام البابا أوجين الرابع اتحاده إثر انعقاد مجمع فلورنسا – فيرارا. وأخذ لقب رئيس أساقفة الكلدان المقيمين في قبرص. إلا أنّ هذا الاتّحاد لم يدم طويلاً إذ بعد وفاة طيمثاوس عام 1489 انصهر المشرقيّون في الجماعات المسيحيّة المحليّة

يوحنا سولاقا، شهيد الاتّحاد

في القرن الخامس عشر انحسرت أبرشيّات كنيسة المشرق إلى الجزيرة وجبال هكّاري. وفي سنة 1450 جمع البطريرك شمعون الباصيدي (ت 1497) السلطتين الروحيّة والزمنيّة بيده وحصر البطريركيّة في عائلته وحدها. وسنّ قاعدة لتوريث المنصب من البطريرك إلى ابن أخيه. وأدّت هيمنة عائلة واحدة على الكرسيّ البطريركيّ إلى تضعيف كنيسة المشرق فكريًّا وروحيًّا وراعويًّا وإداريًّا وسبّبت نزاعات وانقسامات بين صفوف المؤمنين، لاسيّما عندما كان يتولّى الكرسيّ صبيّ صغير. ففي عام 1539 اضطر البطريرك شمعون (1538-1558) أن يرسم ابن أخيه الذي لم يكد يبلغ الثامنة عشرة سنة مترابوليتًا لعدم وجود شخص غيره في العائلة الأبويّة. وللأسباب نفسها شغرت أبرشيّات عدّة. وبعد بضع سنين رُسم فتى آخر عمره خمسة عشر عامًا، فتفاقم التذمّر بين أبناء الكنيسة، لاسيّما في مناطق آمد وسعرد. فالتقى المعارضون للتوريث في الجزيرة ثم في الموصل في شباط 1552 وحضر هذا اللقاء الموسّع، فضلاّ عن أعيان الموصل وعدد من الكهنة والرهبان، أساقفة أربيل وسلماس وأذربيجان واختاروا بطريركا بالإجماع يوحنا سولاقا، رئيس دير الربّان هرمزد. ولعدم وجود رئيس أساقفة يقوم برسامته، أوفده الأساقفة برفقة وفد إلى روما للرسامة ولنيل اعتراف الكرسيّ الرسوليّ. وتوجّه سولاقا والوفد المرافق إلى فلسطين أوّلاً، لزيارة العتبات المقدّسة، ثم تابعوا سفرهم إلى روما. وهناك أعلن أمام البابا يوليوس الثالث إيمانه الرسوليّ في 20 شباط 1553 وتمّت رسامته الأسقفيّة في نيسان من السنة نفسها. وعندما اشيع خبر وفاة البطريرك شمعون، قام الكرسيّ الرسوليّ بتثبيت سولاقا «بطريرك الموصل» في مرسوم مؤرّخ في 28 نيسان 1553 باسم شمعون الثامن سولاقا. وصل يوحنا سولاقا آمد في تشرين الثاني 1553 برفقة بعض الرهبان الدومنيكان للمساعدة في نشر الكثلكة. وجعل فيها كرسيّه وقوّى موقفه برسامة متروبوليتين وثلاثة أساقفة. وحصل عام 1553 على اعتراف الباب العالي. لكن بطريرك الطرف الآخر مارس على باشا العمادية تأثيرًا، فدعا سولاقا إليه، فلما وصلها، قام باعتقاله وتعذيبه ومات في كانون الثاني/يناير 1555. لذلك تعدّه الكنيسة الكلدانيّة شهيد الاتّحادبعده اجتمع الأساقفة الخمسة الذين كرّسهم سولاقا واختاروا عبد يشوع مارون الرابع (1555–1570) وكان راهبًا. سافر إلى روما ونال التثبيت من البابا بيوس الرابع وجعل مقرّه في دير قرب سعرد حيث عاش حتى وفاته. وبسبب الأوضاع الأمنيّة والراعويّة سكن خلفاؤه في سعرد ثم في سلماس وخسراوا وأورميا وثبتوا على الشركة مع روما إلى القرن السابع عشر، ولكن لم يسافر أحد منهم إلى روما لنيل التثبيت. وفي نهاية القرن السادس عشر نقل هذا الخط من البطاركة الكرسيّ البطريركيّ إلى قوجانس، في جبال هكّاري النائية، وعاد تدريجيًّا إلى العقيدة التقليديّة (النسطوريّة)؟، ففُقد الاتّصال مع روما. من هذا الخط تنحدر كنيسة المشرق الآشوريّة الحاليّة، في حين ينحدر البطريرك الكلدانيّ من خط شمعون السابع. ومن المفارقة أنّ التقليد (النسطوريّ)؟ استمرّ عبر خلفاء سولاقا، في حين استمرّت الكثلكة عبر غريمه (النسطوريّ)؟

وضمن كنيسة المشرق الآشوريّة عادت البطريركيّة إلى نظام التوريث، الذي انتهى فقط مع عهد البطريرك دنحا الرابع (1976-2015). وفي عام 1915 ترك البطريرك كرسيّه في قوجانس، بسبب اضطهادات حركة تركيا الفتاة، فانتهى به المطاف في شيكاغو واليوم اعاده البطريرك الجديد مار كوركيس الثالث صليوا الى أربيل – إقليم كوردستان الراق. عن هذه الكنيسة انفصلت عام 1964 كنيسة المشرق القديمة ومقرّها بغداد

ثلاث عائلات متنافسة

عند وفاة البطريرك شمعون السابع، غريم سولاقا، خلفه أوّلاً إيليّا السادس (1559-1591)، الذي نقل كرسيّه إلى دير الربّان هرمزد، قرب الموصل، ثم إيليّا السابع (1591-1617) الذي، وبتأثير من الحجاج الذين دخلوا في الكثلكة بالقدس، أرسل وفدًا إلى روما في 7/1606 وفي 1611 للتباحث في موضوع الاتّحاد. وبتأثير من الراهب الفرنسيسكانيّ أويجيني دي نوفارا عقد إيليّا مجمعًا عام 1616 أكد فيه العقيدة الكاثوليكيّة، وخصوصًا في ما يتعلّق بالكريستولوجيا، لكن هذا التبنّي لم يحقق اتحادًا صريحًا. في الوقت نفسه أرسل شمعون العشرون، من سلسلة سولاقا، صيغة إيمانه إلى روما. وحاول الرهبان الفرنسيسكان التحاور مع الكتلتين لتحقيق الشركة والوحدة، لكن من دون جدوى

وانقطعت العلاقات الرسميّة بين روما وبطريركيّة الموصل في عهد إيليّا الثامن (1617-1660) بموازاة انقطاعها مع سلسلة سولاقا. وبالتالي لم يكن هناك في النصف الثاني من القرن السابع عشر من شركة مع روما من جانب بطريركيّة قوجانس ولا من بطريركية الموصل. لهذا السبب، جاء راهب كبّوشيّ يدعى يوحنا المعمدان سانت ايكنان ليعمل في آمد وأقنع المطران يوسف عام 1672 بالكثلكة. وحصل عام 1677 على اعتراف من السلطات الرسميّة بولايته على آمد وماردين، وثبّتته روما عام 1681 بطريركًا باسم يوسف الأول «للأمّة الكلدانيّة المحرومة من رئيس». وبه نشأت سلسلة بطريركية ثالثة في آمد حمل جميع أفرادها لقب «يوسف». ولاقى بطاركة آمد نجاحًا كبيرًا في نشر الكثلكة في آمد وسعرد وماردين والجزيرة وسهل الموصل. وبقيت هذه السلسلة حتى عهد أوغسطين هندي، الذي أصبح عام 1804 مطرانًا على آمد ومدبّرًا بطريركيًّا، والذي تلقّى التثبيت عام 1818 من دون أن يُمنح لقب البطريرك رسميًّا. وبموته في عام 1828 انتهت بطريركيّة آمد التي بقيت متّحدة مع روما حوالي 146 سنة وصار للكلدان بطريركيّة واحدة في الموصل يرأسها يوحنا هرمزد

يوحنا هرمزد والوحدة الكلدانيّة

في نهاية القرن الثامن عشر، وبتأثير من بطريركيّة آمد ومعاونة الرهبان الكبّوشيّين والدومنيكان، انضمّ معظم أبناء كنيسة المشرق في الموصل وسهلها إلى الكثلكة. وعندما رأى البطريرك إيليّا الثاني عشر دنحا (1722-1778) أنّ التيّار الكاثوليكيّ يشتدّ ويتّسع كتب رسائل عدّة إلى روما معربًا عن رغبته في الاتّحاد. غير أنّ هذه الرغبة لم تتحقّق. وعندما خلفه ابن أخيه، إيليّا الثالث عشر إيشوعياب (1778-1804) عارضه بقوّة يوحنا هرمزد، أحد أنسبائه. وعند وفاة إيليّا الثالث عشر توفّرت مناسبة انتخاب يوحنا، الذي كان يعتبر نفسه كاثوليكيًّا منذ 1778، لكن هذا الأخير نال التثبيت كمطران على الموصل ومدبّرًا بطريركيًا من دون لقب البطريرك، وذلك بسبب معارضة المرسلين اللاتين وقسم من كنيسته له، كان يفضّل أوغسطين هندي من آمد. وعند وفاة هندي نال يوحنا هرمزد التثبيت أخيرًا من البابا بيوس الثامن كبطريرك أوحد للكلدان، وذلك في 5 تموز 1830 وجعل كرسيّه في الموصل. وهكذا اندمجت بطريركيّتا آمد والموصل وبقيت سلسلة بطاركة كنيسة المشرق في شراكة مع روما منذ ذلك اليوم. وقامت روما بتعيين نيقولاوس زيّعا، مطران سلماس (1838-1848) معاونًا بطريركيًّا مع حقّ الخلافة، للحيلولة دون محاولة يوحنا هرمزد حصر البطريركيّة في عائلته الأبويّة. وفي عام 1844 نال زيّعا الفرمان العثمانيّ الذي يعترف به بطريركًا على الكلدان، على رأس ملّة مستقلّة. وخلف نيقولاوس يوسف أودو، أشهر بطريرك كلدانيّ في القرن التاسع عشر، المعروف بحيوته ودفاعه عن حقوق بطاركة الشرق في المجمع الفاتيكانيّ الأول (1870)

وضع أودو أسس ازدهار الكنيسة الكلدانيّة في العقود التي سبقت الحرب العالميّة الأولى. وفي اقتناع منه بأنّ كنيسته بحاجة إلى أساقفة وكهنة على قدر كبير من الثقافة والروحيّة، سعى إلى تأسيس دار طباعة وفتح معهد شمعون الصفا الكهنوتيّ البطريركيّ في الموصل عام 1866، ودعم بناء دير السيدة حافظة الزروع قرب القوش عام 1859. وفي عام 1878 أنشأ الآباء الدومنيكان في الموصل معهد مار يوحنا الحبيب لتنشئة الكهنة الكلدان والسريان معًا، وذلك لتشجيع الوحدة والتعاون بين الكنيستين

سيفو

خلال الحرب العالميّة الأولى نكبت العديد من مناطق المسيحيّين المشرقيّين. فبطريركيّة قوجانس أزيلت وهُجّرت عائلات الآشوريّين من هكاري بالكامل. وفقد آلاف الكلدان في سعرد ودياربكر والجزيرة ووان وقُتل بعض أساقفتها. أما كلدان الموصل وأطرافها فلم يُصِبهم الأذى بفضل جهود البطريرك عمّانوئيل الثاني توما (1900-1947) الذي قاد انتقال ولاية الموصل من السلطنة العثمانية إلى الانتداب البريطانيّ والمملكة الهاشميّة العراقيّة. وفي عهده انضم العديد من أبناء كنيسة المشرق الآشوريّة، التي ضربتها المجازر، إلى الكنيسة الكاثوليكيّة، بفضل الجهود الراعوية التي بذلها الكهنة والرهبان، في حين قام المرسلون الأنجليكان والروس الأرثوذكس بعمل مماثل. وفي عام 1947 نقل البطريرك يوسف السابع غنيمة كرسيّه من الموصل إلى بغداد ليقترب من مراكز السلطة المدنيّة ومن أبناء شعبه الذين بدؤوا يتوافدون إلى العاصمة لوفرة فرص العمل والدراسة في المعاهد والجامعات. وكان على خلفه بولس الثاني شيخو (1958-1989)، مطران حلب، أن يقود الكنيسة الكلدانية عبر ثلاث ثورات (1958، 1963، 1968)، فتعامل مع ثلاثة أنظمة مختلفة ومع تبعات الثورة الكرديّة والحرب العراقيّة-الإيرانيّة الطويلة (1980-1988). وخلال النزاع بين الأكراد والجيش العراقيّ، الذي استمرّ حتى عام 1975، أُحرقت قرى مسيحيّة بكاملها ودُمّرت كنائس عديدة

ومع بدء الحرب ضدّ إيران بدأت موجة الهجرة إلى الخارج، ولم تكن الكنيسة قادرة على معالجة نزوح أبنائها من الشمال وإيقاف نزيف الهجرة. فقد قام البطريرك شيخو ببناء عدّة كنائس في بغداد لاستقبال المهاجرين المسيحيّين، ولكن من دون أيّ عمل رعويّ ممنهج لاحتضانهم وتنشئتهم وتأهيلهم للاندماج في المحيط الجديد، خصوصًا أنّ معظمهم قدم من مجتمعات قرويّة. وبوفاة شيخو انتخب السينودس الكلدانيّ بطريركًا مطران بيروت، روفائيل بيداويد (1989-2003) وكان العراق قد خرج توًّا من حرب الخليج الأولى منهكًا. ولم يتعلّم النظام العبرة فقام بشنّ حرب الخليج الثانية التي أعقبها اثنا عشر عامًا من الحصار الاقتصاديّ. ووسمت هذه المرحلة هجرة المسيحيين المتزايدة التي أدّت إلى إنشاء أبرشيّات في الولايات المتّحدة وأوروبّا وأستراليا وكندا

أحد أهمّ إنجازات هذه الفترة هو الإعلان الكريستولوجيّ بين الكاثوليك وكنيسة المشرق الآشوريّة في 11 تشرين الثاني 1994، الذي وقّعه البابا يوحنا بولس الثاني ومار دنحا الرابع. وقد شجّعت هذه المبادرة قيادة الكنيستين الشقيقتين، الكلدانيّة والآشوريّة، على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة الحوار. وقد وقّع البطريركان عام 1996 على بيان مشترك، وفي عام 2001 أصدر المجلس البابوي من أجل وحدة المسيحيين وثيقة تحتوي على خطوط عريضة للاشتراك في القدسيّات بين الكنيستين. وفي كانون الأوّل 2004 انتخب السينودس الكلداني عمّانوئيل دلّي، الذي قدّم استقالته عام 2012

وفي بداية عهد خلفه، كان معظم الكلدان يعيشون في المدن الكبرى وقرى سهل نينوى، ويشتغلون في مجال التربية والطبّ والتجارة والزراعة. وبالرغم من كونهم أقليّة عدديّة، إلا أنّ حضورهم كان مؤثّرًا ومشاركتهم يثمّنها مواطنوهم بسبب ثقافتهم وانفتاحهم. لكن بسقوط نظام صدّام حسين عام 2003 بدأ مسلسل استهدافهم مما دفعهم إلى الهجرة. وفي الفترة ما بين حزيران وآب من العام 2014 رحل أكثر من 120 ألف مسيحيّ من الموصل وبلدات سهل نينوى بسبب تقدّم داعش. رحلوا من أرض كانت، كما رأينا، مركز الحضور الكلدانيّ لقرون عديدة. وهذا الترحيل القسريّ بمثابة نكبة تهدّد الوجود المسيحيّ التاريخيّ في المنطقة، لكن يبقى لنا في الألم أمل

 
 
PageLines