كلمة البطريرك الراعي في المؤتمر السّنوي الرّابع والعشرين للمدارس الكاثوليكيّة

Posted · Add Comment

نقلا عن إذاعة الفاتيكان

بمناسبة افتتاح المؤتمر السّنوي الرّابع والعشرين للمدارس الكاثوليكيّة في لبنان المنعقد في الخامس والسادس من أيلول سبتمبر الجاري في ثانوية مار الياس للراهبات الأنطونيات في غزير تحت عنوان “الراعوية المدرسية في المدارس الكاثوليكية في لبنان: رؤية ومسارات”، ألقى البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي كلمة تمحورت حول “صنع الجماعة التربوية”؛ ونقلاً عن الموقع الإلكتروني للبطريركيّة المارونيّة قال صاحب الغبطة “صنعُ الجماعة” في المدارس الكاثوليكيّة عنصر أساسي في تكوين الرّاعويّة المدرسيّة. هذه الجماعة تستجيب إلى ضرورة العمل الجماعي المشترك في تحقيق العملية التربوية. ولذا، تصنعها المدرسة، إدارة ومعلّمين وتلامذة والعائلة والمجتمع المدني والدولة والكنيسة. فهي كلّها معنيّة بتربية التلميذ في كلّ أبعاد شخصيّته العلميّة والأخلاقيّة والإجتماعيّة والوطنيّة والرّوحيّة

تابع البطريرك الراعي يقول وبفضل تعاون مكوّنات الجماعة التربوية، يتخرّج التلامذة من المدرسة الكاثوليكيّة حاصلين على معرفة علميّة نوعيّة، وعلى أسس ثقافيّة وروحيّة وخلقيّة، تجعل منهم مواطنين مسؤولين متعمّقين في الثقافة اللبنانية، ومسيحيّين ناشطين، وشهودًا للإنجيل. وبذلك يواجهون بصفاء مستقبلهم. ويجدون أسبابًا للعيش وللرجاء. في إعلان المجمع المسكوني الفاتيكاني الثّاني “في التّربية المسيحيّة” نجد أدوار المكوّنات الّتي تصنع الجماعة بانصبابها كلّها على تكوين شخصيّة التلميذ جسديًا وأخلاقيًّا وفكريًّا بشكل متوازن، بحيث يكتسب تدريجيًا حسّ المسؤوليّة النّاضج، والترقّي الشّخصي والحريّة المبنيّة على الحقيقة، والإندماج السّليم في مساحات العيش معًا في المجتمع، وإمكانيّة تقييم وقبول القيم الأخلاقيّة بضمير مستنير. هذه المكوّنات الخمسة: المدرسة والأهل والمجتمع المدني والدولة والكنيسة، يحدّدها بدوره المجمع البطريركي الماروني

أضاف الكاردينال الراعي يقول المكوّن الأوّل لصنع الجماعة هو المدرسة، إدارة ومعلّمين وأهلاً وتلامذة يؤلّفون أسرتها التربوية. إنّها المكان الّذي تلتقي فيه المكوّنات الأخرى، الّتي تشكّل معها الجماعة التربوية الكبيرة. فالمدرسة تتعاون مع الوالدين في أداء واجبها التّربوي، وتحلّ محل الجماعة البشرية في تربية أعضائها. وهي بالتّالي تلبّي الدعوة والرسالة الموكلتَين إليها من العائلة والكنيسة والمجتمع والوطن. وتضع المدرسة كلّ طاقاتها في خدمة الجماعة المسيحيّة، وبصورة أشمل، في خدمة الوطن كلّه. فهي تعتني بالبعد الروحي والأخلاقي، وتقدّم رؤية للإنسان والتاريخ مستنيرة بالإيمان وبشخصيّة يسوع المسيح. أمّا المعلّم فهو المحور الأساس لإنجاح العمليّة التربويّة، وصنع الجماعة. إنّه وجه المدرسة، المؤتمن على تربية كلّ تلميذ وتلميذة من تلامذته باسم أهله والمجتمع والكنيسة والوطن. فالمطلوب أن يكون ذا ثقافة أكاديمية، ومميّزًا بأخلاقيّته وقيمه الرّوحيّة. ويأتي التلميذ العنصر الثّالث في المدرسة بعد الإدارة والمعلّم. إنّه شريك مساهم في تتميم غاية العمليّة التربويّة، وهدف الجماعة ومبرّر وجودها

تابع غبطته يقول المكوّن الثّاني في صنع الجماعة التربوية هو العائلة. فعلى الوالدين، لأنهم نقلوا الحياة لأولادهم، يقع الواجب الخطير لتربيتهم. فهم المربّون الأوّلون والأساسيّون بالنسبة إليهم. لذا، من واجبهم خلق الجوّ الملائم في العائلة، والمميّز بالحبّ وتقوى الله ومحبة الناس. فالعائلة هي المدرسة الأولى للفضائل الإنسانية والاجتماعية، وللتنشئة الإنسانية. ويعود للوالدين الحقّ وحرية اختيار المدرسة لأولادهم، بحيث يعتبرون أنّها تواصل التربية التي يريدونها لهم. فيقع على السّلطات المدنيّة واجب حماية هذه الحريّة والدفاع عنها، باحترام العدالة التوزيعيّة، ودعم الأقساط المدرسية من المال العام من أجل الحدّ من تنامي هذه الأقساط وضبط زياداتها، بهدف التخفيف عن كاهل الأهل لكي يتمكّنوا من اختيار المدرسة لأولادهم بملء حريّتهم، ووفقًا لضميرهم. وهذا مطلب متكرّر اليوم، بحكم الدستور اللبناني. إننا نحمِّل القيّمين على شؤون الدولة المسؤوليات التالية: مسؤولية إرهاق المواطنين بالأقساط الجديدة التي سترتفع حتمًا، كنتيجة لسلسلة الرتب والرواتب وقد طالبنا بها وأردناها عادلة ومنصفة للجميع؛ ومسوؤلية إرغام أيّة مدرسة على إقفال أبوابها؛ ومسؤولية زيادةِ عدد العاطلين عن العمل من بين المعلّمين والموظفين؛ ومسؤولية حرمانِ المناطق الجبلية والنائية من مدارس مجّانية وغير مجّانية، وتهجيرِ أهاليها إلى ضواحي المدن الكبيرة. نحن صاحب المعالي امام كارثة وطنية يجب معالجة اسبابها

أضاف الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يقول المكوّن الثالث هو المجتمع المدني، بما فيه من جمعيات أهلية وبلديات وأندية وسواها. إنه مدعوٌّ للإفساح في المجال أمام التلامذة كي يقوموا بمبادرات تجسّد المبادئ التي تعلّموها، ويتمكّنوا من الاندماج في مجتمعهم، وتحفيز قدراتهم فيه. أما المكوّن الرابع هو الدولة، المسؤولة عن سنّ القوانين والأنظمة للمؤسسات التربوية، ووضع المناهج. ومن واجبها تأمين المستوى الرفيع للدروس عبر كفاية المعلمين والجهاز المدرسي. إنّ مدارسنا الكاثوليكية ترفض أن توضع، من قِبل المسؤولين السياسيّين، في مواجهة مع المعلّمين وأهالي التلامذة. فليست مدارسنا ضدّ زيادة رواتب المعلّمين، ولا هي تريد إرهاق الأهل بزيادة الأقساط. بل من أجل حماية المعلّمين والأهل تطالب مدارسنا الدولة بدفع فرق الزيادات على الرواتب. فكيف تستطيع القيام بواجبات الرواتب الجديدة، وقد تسجّل تلامذتها ووُقّعت العقود مع المعلّمين وفقًا لأقساط العام الدراسي المنصرم، ووفقًا للموازنة الموضوعة قبل صدور سلسلة الرتب والرواتب؟ وإلا كانت حال مدارسنا كحال الشخص الذي يُرمى في الماء ويُقال له: “لا تتبلّل”. ومن الواجب الدولة أن تحمي التربية الأخلاقية والإنسانية، بضبط الانحرافات والممارسات المعاكسة عبر وسائل الإعلام وتقنيات التواصل الاجتماعي. فهذه، إذا أُحسن استعمالها ببرامج بنّاءة، تكون شريكة فعّالة في العملية التربوية، وبخاصّة عندما يستعملها التلامذة لأغراض علمية وثقافية، ولإحياء حوار بنّاء مع الآخرين

أما المكوِّن الخامس في صنع الجماعة التربوية، تابع الكاردينال الراعي يقول، هو الكنيسة المرسلة من المسيح “لتتلمذ وتعلّم جميع الشعوب”. لقد وجدت الكنيسة في المدرسة ذراعها وشريكها في الرسالة. ومن هذا المنظار فالكنيسة هي أمّ ومعلّمة، وبالتالي مربّية الأشخاص والشعوب، وهي الحريصة على تثقيفهم بالعلوم الفضلى والقيم الروحية والأخلاقية والإنسانية. إن ما يعني الكنيسة في الأساس هو تعليم طريق الخلاص، ونقل الحياة الجديدة بالمسيح، بحيث يبلغ أبناؤها وبناتها ملء هذه الحياة. ولإتمام هذه الرسالة تعتمد الكنيسة على الآباء المرشدين ومعلمي التعليم المسيحي وعلى كهنة الرعايا ومطارنة الأبرشيات والعائلات وجميع الذين واللواتي يشهدون لكلمة الله، بأقوالهم وأعمالهم وتكرّسهم لكي تبقى مدارسنا جماعة متضامنة ومتعاونة تغتذي بالالتزام “بقيم الشهادة الثلاث الأساسية: قيمة الإيمان الشخصي، قيمة المحبة الاجتماعية، وقيمة رجاء رسالية

وختم البطريرك مار بشارة بطرس الراعي كلمته بالقول إننا، إذ نفتتح اليوم هذا المؤتمر السنوي لمدارسنا الكاثوليكية بموضوع “الراعوية المدرسية”، ومن ضمنه صنع “الجماعة التربوية”، إنما نضعه تحت أنوار المعلم الإلهي يسوع المسيح، مثال الشهداء، وشفاعة أمنا مريم العذراء، كرسي الحكمة، ومثال الشهود راجين له النجاح في أعماله ومقرراته، لخير أجيالنا الطالعة والكنيسة والوطن 

 
 
PageLines