المؤتمر الصحفي على متن الطائرة البابوية العائدة من البيرو

Written by on January 23, 2018

نقلا عن موقع أبونا

بقلم: أندريا تورنييلي ، ترجمة: منير بيوك

“أعتذر إذا ما كنت قد أسأت لضحايا الإستغلال بكلماتي في قضية المطران باروس”. في معرض رده على أسئلة الصحفيين أثناء الرحلة من ليما إلى روما، يقر البابا فرنسيس بأنه ارتكب خطأ خلال التعبير في قضية خوان باروس، الخاص بالأسقف التشيلي أوسورنو الذي تحداه مجموعات المؤمنين في أبرشيته معتقدين أنه كان على بينة بالإساءة الجنسية الذي ارتكبها مستشاره الأب فرناندو كاراديما وأنه قد تستر عليها. وعلى هامش القداس الإلهي الذي احتفل به يوم الخميس الماضي في ايكويك، أجاب فرنسيس على سؤال من مراسل محلي، مشيرًا إلى أنه على استعداد لتقييم “دليل” ضد باروس إذا ما تم تقديمه له، وأضاف أنه يعتبر ذلك “افتراء” في نطاق الاتهامات التي جرى تقديمها ضد الأسقف. “إنني أقدم اعتذاري إذا ما أسأت إلى ضحايا الإستغلال عقب الكلمات التي نطق بها الأسقف باروس”، فالكلمات التي أثارت رد فعل قوي من ضحايا الإستغلال في تشيلي جعلت الكاردينال سين أومالي يصدر بيانًا بشأن هذه المسألة. لكن البابا تحدث أيضًا عن عقد الزواج الشهير على متن رحلة البابوية. دافع فرنسيس عن قراره من خلال شرحه بأن العروسين كانا على استعداد تام للزواج، وأنهما قد أنهيا الدورات المطلوبة لما قبل الزواج، وقد نالا سر التوبة. وأخيرًا، أطلق فرنسيس على الرحلة إلى تشيلي والبيرو رحلة “البسترة”، مثل الحليب، لأننا مررنا من الجو الحار إلى الجو البارد من خلال الإنتقال في مناخات مختلفة.

في اليوم الأول لك في تشيلي، أرسلت رسالة قوية ضد إستغلال الأطفال. لكن فيما بعد أطلقت هذا البيان عن المطران باروس، متحدثًا عن “إفتراء”. لماذا لا تصدق الضحايا وتصدق باروس؟

في تشيلي، تحدثت مرتين عن التجاوزات: كان ذلك أمام الحكومة وفي الكاتدرائية مع الكهنة. وأواصل عدم التسامح المطلق الذي أطلقه بندكتس السادس عشر. فخلال خمس سنوات مضت لم أوقع طلبًا واحدًا للمسامحة. وإذا كانت الحالة الثانية تؤكد الأولى، فالسبيل الوحيد للخروج هو الاستئناف إلى البابا وطلب الرحمة. في خمس سنوات مضت، تلقيت حوالي 25 طلبًا للرحمة. لم أوقع أيًا منها. وحول موضوع باروس، فقد قمت بدراسته والتحقيق بشأنه. ولا يوجد في الواقع دليل على كونه مذنبًا. كما أنني أطلب الحصول على دليل لتغيير موقفي. عندما سألوني عن باروس في إيكيك، قلت: “في اليوم الذي أحصل فيه على إثبات سأتكلم”. كنت مخطئًا في استخدام كلمة “إثبات”، أود أن أتحدث عن “الأدلة”: أعرف أنه لا يستطيع الكثير من الأشخاص الذين تعرضوا للإساءة الحصول على إثبات. فهم لا يملكون ذلك ولا يستطيعون الحصول عليه، أو إذا كان لديهم، فإنهم يشعرون بالخجل من ذلك. فمأساة ضحايا الإساءة رهيبة. حدث أن التقيت بامرأة تعرضت لسوء المعاملة منذ أربعين عامًا. تزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال، ولم تكن تتقدم للتناول المقدس، لأنها كانت ترى في يد الكاهن المناول نفس اليد التي أساءت إليها. فكلمة “إثبات” ليست الأفضل، وأود أن استعمل بدلاً من ذلك “الدليل”. بخصوص قضية باروس، لقد درستها المرة بعد الأخرى، ولا يوجد دليل على إدانته. وفي حال قمت بإدانته دون دليل أو يقين أخلاقي، فإنني بذلك ارتكب جريمة إصدار حكم خاطىء.

تم اطلاع العامة على إحدى رسائلك الموجهة إلى الأساقفة التشيليين. وفي الرسالة، جاء ذكر أن باروس قد يتوقف عن العمل لسنة واحدة.

يجب أن أشرح هذه الرسالة لكم لأن ذلك في صالح تحقيق رجاحة العقل التي تتحدث عن وضع طويل استمر لفترة 10-12 شهرًا. عندما اندلعت قضية كاراديما، بدأنا نرى عددًا من الكهنة الذين علمهم قد تعرضوا للإساءة أو نفذوا الإساءات. هناك ثلاثة أساقفة في تشيلي أرسلهم كاراديما إلى المعهد الإكليريكي. اقترح بعض المشاركين في مؤتمر الأساقفة أن يستنكروا ذلك، وأن يأخذوا سنة تفرغ للسماح للعاصفة بأن تمر بسلام، فهم أساقفة يتميزون بالطيبة مثل باروس الذي تميز بخبرة عشرين عامًا في الأسقفية وكان على وشك الانتهاء من فترة عمله كجندي عادي. كان هناك حديث يتعلق بالطلب منه بالاستقالة. جاء إلى روما وقلت: لا، لأن ذلك يعني الاعتراف بالذنب المفترض. لقد رفضت الاستقالة. ثم، عندما تم تعيينه في أوسورنو، نشأت هذه الحركة الاحتجاجية. تلقيت استقالته للمرة الثانية، وقلت: لا، يجب أن تستمر بالعمل! واستمر التحقيق مع باروس، ولكن لم يبرز أي دليل على ذلك. لا أستطيع إدانته، ليس لدي أي دليل، وأنا مقتنع بأنه بريء.

وماذا بشأن رد فعل الضحايا على تصريحاتكم؟

يجب أن أعتذر لما يشعر به الذين تمت الإساءة إليهم. فقد أضرت كلمة “برهان” بالعديد منهم. يقولون: هل يجب أن أذهب للبحث عن شهادة دامغة؟ أقدم لهم اعتذاري إذا كنت قد أسأت لهم دون أن أدرك ذلك، فأنا لم أقصد ذلك. فذلك يسبب لي الكثير من الألم، لأنني ألتقي بهم. في تشيلي كان هناك اجتماعان معروفان للجمهور، أما الإجتماعات الأخرى فلم يتم الكشف عنها. في كل رحله هناك دائمًا فرصة للقاء الضحايا. كان اجتماع فيلادلفيا عامًا، ولكن ذلك لا ينطبق على الحالات الأخرى. عندما يسمعون البابا يقول لهم: “أحضروا لي رسالة تحتوي على دليل، إنما هذا يشكل صفعة”. إنني مدرك أن تعبيري لم يخرج بشكل جيد، وأنا متفهم، كما كتب بطرس في إحدى رسائله أن النار قد اشتعلت. هذا ما يمكنني أن أقوله بأمانة.

ألا تشكل شهادة الضحايا دليلا لك؟

شهادة الضحايا هي دائمًا دليل. وفي حالة باروس لا يوجد دليل على الإساءة.

ولكن الإتهام لا يتعلق بالإساءة، إنما بالتغطية عليها…

ليس هناك دليل على ذلك أيضًا… قلبي مفتوح لاستقبالهم.

كيف كان رد فعلك على بيان الكاردينال اومالي، كيف تسببت كلمتك “افتراء” حول قضية باروس ألمًا كبيرًا للضحايا؟

قال اومالي إن البابا استخدم دائمًا عبارة “عدم التسامح مطلقًا”… ثم هناك “اختيار سيء للكلمات”. تحدثت عن الافتراء عند حديثي عن شخص يقول شيئًا بإلحاح دون وجود دليل. فلو قلت: أنت سرقت، في حين أنك لم تكن قد سرقت، فإنني أقوم بالتشهير، لأن ليس لدي أي دليل. لقد كان ذلك تعبيرًا مؤسفًا. لكنني لم أسمع عن أي ضحية لباروس. لم يأتوا، ولم يظهروا أنفسهم، ولم يقدموا أدلة في المحكمة. كل شيء في الهواء. صحيح أن باروس كان في مجموعة شباب كاراديما. ولكن دعونا نكون واضحين: عندما اتهم شخص دون دليل بإلحاح، إذن هذا هو افتراء. ومع ذلك، إذا حضر شخص وقدم أدلة، عندها سأكون أول من يستمع إليه. كان بيان أومالي صائبًا جدًا، وقد شكرته على ذلك. وقد تحدث عن الآلام التي بعاني منها الضحايا بشكل عام.

أنهت لجنة الفاتيكان لحماية الأطفال عملها. هل يعني هذا أن الأمر لم يعد له أولوية؟

وقد تم تخصيص للجنة العمل لمدة ثلاث سنوات. وبمجرّد انتهاء صلاحيتها، سيتم دراسة شأن لجنة جديده. تقرّر تجديد العضوية وتعيين أعضاء جدد. وصلت قائمة محددة من الأسماء قبل بداية هذه الرحلة، والآن سوف تتبع إجراءات الكوريا العادية. نحن ندرس السير الذاتية الجديدة. وكان هناك بعض الملاحظات التي تحتاج إلى توضيح. ولكن لا أعتقد أننا لن نفعل ذلك… هذه هي الأوقات العادية المطلوبة.

كيف تردون على أولئك الذين يقولون إن زيارتكم لتشيلي كانت فاشلة، وذلك بالنسبة لقلة الناس، وللحقيقة القائلة بأن الكنيسة أكثر انقسامًا من ذي قبل؟

هذه هي المرة الأولى التي أسمع بها كلامًا كهذا. أنا سعيد بشأن الرحلة إلى تشيلي، لم أكن أتوقع أن يكون الكثير من الناس في الشارع، ولم يدفع لهؤلاء الناس شيئًا مقابل المجيء!

خدعت الطبقة السياسية في البيرو الناس بأفعال تنم عن الفساد وعن مفاوضات لتحقيق العفو (الإشارة إلى العفو الذي منحه الرئيس الحالي للرئيس السابق ألبرتو فوجيموري). ما رأيك في ذلك؟

إنني مدرك أن هناك فسادًا في بعض البلدان الأوروبية. وفي أمريكا اللاتينية هناك العديد من الحالات المشابهة. هناك الكثير من الحديث عن قضية أوديبريشت (الشركة البرازيلية في وسط اتهامات الفساد التي تشمل أيضًا رئيس البيرو باولو كوكزينسكي)، ولكن هذا هو مجرد مثال واحد على القائمة. يعود أصل الفساد إلى الخطيئة الأصلية التي تقودنا إلى هذا. كنت قد كتبت كتابًا صغيرًا يحمل رسالة تقول: “خطأة نعم، فاسدون لا”. نحن جميعًا خطأة عندما نرتكب خطيئة فندرك الشر ونطلب الغفران. الخطيئة لا تخيفني، ولكن الفساد يخيفني لأنه يفسد الروح والجسد. فالفاسدون على ثقة بأنهم لا يستطيعون العودة عن ذلك… إنه تدمير للإنسان. لدى السياسيين الكثير من السلطة، ولكن صاحب المشروع الذي يدفع نصف ما يعود للعمال هو أيضًا فاسد. فالسيدة التي تعتقد أنها تستطيع أن تستغل خادمة منزلها أو أن تعاملها بسوء هي فاسدة. لقد تحدثت مرة إلى شاب يبلغ من العمر ثلاثين عامًا يعامل موظفيه المحليين بطريقة غير شريفة، وأبلغني عما يفعله. قلت له: إنها خطيئة! قال: دعونا لا نجري مقارنات بين هؤلاء الناس وبيني، فهؤلاء الناس موجودون هناك. هذا هو ما يفكر به أولئك الذين يستغلون الناس جنسيًا، أولئك الذين يستغلونهم للقيام بعمل العبيد. إنهم فاسدون.

هناك فساد أيضًا في الكنيسة، دعونا نفكر في قضية سوداليزيو ​​(الحركة العلمانية التي أسسها في بيرو لويس فيغاري، وقد وجد الآن مذنبًا بالإساءة).

نعم، هناك فساد في الكنيسة. كانت هناك دائمًا حالات فساد في تاريخ الكنيسة. فلم يبلغ عن مؤسس سوداليزيو ​​بالإساءة الجنسية فحسب إنما أيضًا بالتلاعب بالضمائر. وقد أجرى الكرسي الرسولي المحاكمة، وتمت إدانته، وهو يعيش الآن بمفرده بمساعدة من شخص ما. أعلن نفسه براءته وناشد التوقيع الرسولي (Apostolic Signature)، وهي محكمة العدل العليا في الكرسي الرسولي. لكن شكلت هذه المحاكمه فرصة لضحايا آخرين لتقديم شكوى سواء في المحاكم المدنية والكنسية. وبرزت أمور أكثر خطورة، تدخلت العدالة المدنية -من المريح دائمًا في هذه الحالات أن تتدخل عندما يتعلق الأمر بالإساءة، وهذا هو حق- كما أعتقد أن الوضع صار غير مؤات للمؤسس. لكنه لم يكن المشكلة الوحيده، فقد كانت هناك أشياء أخرى ذات طبيعة اقتصادية غير واضحة. إن سوداليزيو ​​اليوم قيد التحقيق. وهناك قضية مماثلة هي قضية “الليجيونيين” (Legionaries)، الذين قد سبق حلها. لم يتسامح بندكتس مع هذه الأشياء، وتعلمت منه عدم التسامح نحوها.

بعد عقد زواج مضيفة ومضيف على متن الطائرة، ماذا تقول لكهنة الرعايا أمام أزواج يرغبون في الزواج على الطائرات أو السفن؟

“هل تفكر في رحلات زفاف؟” أخبرني أحدكم أنني أخطأت بهذا الأمر. كان الأمر بسيطًا. وقد شارك الرجل (كارلوس سيوفاردي) في الرحله باليوم السابق. كما أنها (باولا بوديست) شاركت بالرحلة في اليوم السابق. لم تحدثني بالأمر. حدثني هو وأدركت أنه كان يختبرني… كانت محادثة جيدة. في اليوم التالي كان كلاهما هناك، وعندما جرى تصويرنا، قالا لي إنهما تزوجا مدنيًا، وأنه كان من المفترض قبل ثماني سنوات أن يتزوجا في الكنيسة، ولكن الكنيسة انهارت بسبب الزلزال في اليوم الذي سبق الزفاف. وهكذا لم يتم الزواج. كانا يقولان: سنفعل ذلك غدًا، وبعد غد. ودارت الأيام ثم أتت ابنتنا وأخرى. سألتهما أسئلة وأخبراني أنهما شاركا بدورات ما قبل الزواج. لقد تيقنت بأنهما على استعداد للزواج. الأسرار المقدسة هي للناس. كانت جميع الظروف واضحة. لماذا لا تفعل ما تستطيع عمله اليوم؟ وربما الانتظار للغد يعني الإنتظار لعشر سنوات أخرى. فكلاهما أعدا نفسهيما أمام الرب بسر التوبة. أبلغاني ببعض نواياهما: “دعنا نذهب إلى البابا لنطلب منه أن يزوجنا. أنا لا أعرف إذا كان هذا صحيحًا. أخبر كهنة الرعيه أن البابا قد أجاد في سؤالهما. كان الوضع عاديًا.

تحدثت في أرض الأمازون عن “الانحراف” بخصوص بعض السياسات التي تعزز الحفاظ على الطبيعة دون الأخذ بالإنسان بعين الاعتبار. هل تعتقد أن هناك نوع من الأمور البيئية التي تنتهي ضد الإنسانية؟

نعم أعتقد ذلك. إن الحالة المحددة التي كنت أشير إليها تتعلق بمناطق في الأمازون. فمن أجل حماية الغابات، تم عزل بعض القبائل، وقد انتهت الأمور باستغلال الغابة نفسها، وهناك إحصاءات تدل على ذلك. وقد تم استبعاد بعض القبائل من تحقيق تقدم حقيقي.

من أحد أهداف الكنيسة هو مكافحة الفقر: لقد خفضت تشيلي معدل الفقر من 40 بالمئة إلى 11 بالمائة ذلك نتيجة اتباعها لسياسة ليبرالية. هل هناك أي نفع في الليبرالية؟

علينا أن ننظر بعناية إلى حالات تتعلق بالسياسات الليبرالية، فقد نفذت بعض البلدان في أمريكا اللاتينية سياسات ليبرالية أدت إلى إيقاع أكبر قدر من الفقر. أنا لا أعرف ماذا أجيب، ولكن بشكل عام، لا تشمل السياسة الليبرالية جميع الناس، إنما هي انتقائية وتؤدي إلى التراجع. أنا لست مطلعًا على حالة تشيلي، إنما يؤدي ذلك في بلدان أخرى إلى تراجع.

انتشرت أخبار عن الكاردينال أوسكار مارادياغا: لقد أخذ مالاً من الجامعة الكاثوليكية في هندوراس. ما رأيك في هذا الأمر؟

لقد أدلى الكاردينال مارادياغا ببيان بشأن الموضوع على التلفزيون وإنني أكرر ما قاله.

ماذا تتعلم من هذه الرحلة؟

إنّه الانطباع عن أناس مؤمنين لا يزالون يعانون من العديد من الصعوبات، ولكن لديهم الإيمان الذي يترك انطباعًا بي. إنهم أناس قد أعربوا عن فرحتهم وإيمانهم. إنها الأرض “التي لديها العدد الأكبر من القديسين” . من البيرو أحمل معي انطباعًا من الفرح، والإيمان، والأمل، وفوق كل شيء رأيت العديد من الأطفال! رأيت نفس المشهد في الفلبين وكولومبيا جيت الأمهات والآباء يربون أطفالهم… وهذا يتحدث عن المستقبل، كما يتحدث عن الأمل. حافظوا على هذه الثروة.

Tagged as

Current track
TITLE
ARTIST