نداء المطارنة الموارنة

Posted · Add Comment

نقلا عن إذاعة الفاتيكان

في الخامس من شهر تشرين الأول 2016، عقد أصحاب السيادة المطارنة الموارنة إجتماعهم الشهريّ في الكرسي البطريركي في بكركي، برئاسة صاحب الغبطة والنيافة مار بشاره بطرس الراعي الكلِّي الطوبى، ومشاركة الآباء العامّين، وتدارسوا شؤونًا كنسيّة ووطنيّة. ونظرًا إلى الدَّرك الذي بلغته أوضاع الوطن في كلّ المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأخلاقية، وانطلاقًا من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق البطريركية المارونية، والدّور المنتظر منها كونها تجسّد صوت الضمير، ولا تتصرّف كفريق سياسي في وجه فرقاء آخرين، بل كمدافع متجرّد عن الوطن كلّ الوطن، وعن الشعب كلّ الشعب، وعن الدولة كلّ الدولة، قرّر الآباء رفع الصوت في وجه كلّ الشواذات المنتشرة في بلادنا، وإطلاق هذا النداء علّه يوقظ ضمائر المسؤولين، فيرتفعوا إلى مستوى المسؤوليّة التي انتدبوا أنفسهم إليها باسم الشعب اللبناني.

اوّلاً، الشَّأن الوطني السياسي

يؤكِّد الآباء على كلّ ما أعرب عنه غبطة البطريرك في عظة الأحد الفائت، بشأن التقيّد بالدستور الذي تُصاغ حول مبادئه، نصًّا وروحًا، جميع التفاهمات الرامية الى الالتزام بهذه المبادئ الدستورية في انتخاب رئيس للجمهورية، من دون أن توضع عليه أيّة شروط مسبقة. فهو بكونه، حسب المادة 49 من الدستور، “رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور، والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، وفقًا لأحكام الدستور”. ولكي يقوم بمهمّته الوطنيّة العليا هذه، ينبغي أن يكون حرًّا من كلّ قيد، وعندئذ يكون “الرئيس الحَكم”، لا “الرئيس الطرف”، ولا “الرئيس الصوري“.

ويؤكّد الآباء أنّ التقيّد بالدستور يستلزم في الوقت عينه التقيّد بالميثاق الوطني، الذي هو روح الدستور، وبصيغته التطبيقيّة الميثاقيّة. فالميثاق الوطني، كما حدّدته “المذكِّرة الوطنية” التي أصدرتها البطريركية في 9 شباط 2014، إنّما هو “شريعة اللبنانيّين السياسيّة، باعتباره خلاصة تاريخ مشترك من تجربة التعايش المسيحي-الإسلامي، وتكريسًا لثوابته الثلاث: الحرية، والمساواة في المشاركة، وحفظ التعدّدية، وهي ثوابت في أساس تكوين الدولة اللبنانية. لذلك لم يكن الميثاق يومًا مجرّد تسويات أو تفاهمات عابرة، يُقبل بها اليوم ويُراجع في شأنها غدًا، أو يتمّ التراجع عنها في أوقات تضارب المصالح والخيارات” (راجع الفقرتَين4و5). 

من منطلق التقيّد بالدستور والميثاق الوطني، يرحّب الآباء بالجهود والمشاورات المتعلّقة بانتخاب رئيس للجمهورية. ويثمّنون النوايا الحسنة التي تعمل جاهدة للخروج بالبلاد من حال الفراغ في سدّة الرئاسة الأولى منذ سنتَين وخمسة أشهر.

هذا التوجّه ينسحب أيضًا على قانون الانتخاب العتيد، الذي يريد منه اللبنانيون بجميع اطيافهم أن يكون قانونًا يطلق مسارًا لتمثيل حقيقي مشبع من الميثاق والدستور، ويفسح في المجال لقوى جديدة وروح جديدة تصل إلى المجلس النيابي، فلا يكون قانونًا مفصّلاً بإحكام ليعيد إنتاج ما هو قائم. وإذا لم يتمكّن المشرّعون من الوصول إلى هذا الهدف السامي والنبيل في خدمة الشأن العام، فهذا يعني أنّ لبنان يتراجع عن الثقافة الديمقراطيّة التي طبعت تاريخه البرلماني، إلى نظام أشبه بأنظمة الحكم الأحادية التي طواها التاريخ استجابةً لنداء الحرّية والتعدّدية. وفي هذا المجال تشجّع الكنيسة جميع قوى المجتمع المدني للضغط بما أوتيت من قدرة لتحريك الرأي العام بالطرق الشرعية، في شأن مطلب مُحقّ على هذا المستوى من الأهمّية.

في زمن الفراغ والضياع والفوضى، يثمِّن الآباء الدَّور الكبير الذي يقوم به الجيش والقوى الأمنية في مكافحة الإرهاب والسَّهر على الأمن وحفظ الحدود، وهم يحيّون الروح الوطنيّة العامرة التي تعبق في تلك المؤسّسات. ولأنّ المهامّ جسيمة والتضحيات كبيرة يلفت الآباء إلى أهمّية إبعاد هذه المؤسّسات عن التجاذبات والصراعات السياسيّة، لأنّ التسييس عندنا ما دخل شيئًا إلا وكانت نتائجه سلبية.

ثانيًا، الشَّأن الاقتصادي اللبناني

بسبب الخلاف السياسي المستحكم، الذي أدّى إلى الفراغ القاتل في سدَّة الرئاسة الأولى، وبالتالي إلى تعطيل عمل المجلس النيابي التشريعي، وشلّ قدرة الحكومة على اتّخاذ القرارات الإجرائية، وانتشار الفوضى والرشوة في الإدارات العامّة، كان التراجع الاقتصادي المخيف في مختلف قطاعاته، ولا سيّما في قطاعَي الصناعة والزراعة. يُضاف إليه العبء الناتج عن النازحين السوريّين واللّاجئين الفلسطينيّين الذين يتجاوز عددهم نصف سكّان لبنان، ولهيب المتغيرات التي تعصف بالمنطقة، والنموّ المفقود، والبطالة المتفاقمة، وإقفال العديد من المؤسّسات التجارية والصناعيّة والسياحية أبوابها، وتراجع التصدير، وتقلُّص مداخيل الدولة مقابل ازدياد نفقاتها وعدد موظَّفيها وموجبات الأجور والرواتب، وتضخُّم الدَّين العام، والإهمال المزمن للقطاعات الحيوية، واستباحة المال العام، والتهافت على توزيع العقود والمغانم، وشبه غياب المراقبة والمساءلة، وتفاقم أزمة النفايات وسمومها المَرَضية، وفوضى الكسّارات والمقالع والمصانع التي تشوّه البيئة الطبيعية وتلوِّث الهواء والأنهر والمياه الجوفيّة.

الاقتصاد بكلّ قطاعاته، هو بمثابة العمود الفقري للدولة: فمن واجب الجماعة السياسيّة والسّلطة العامّة أن تضع الخطّة الناجعة للنهوض الاقتصادي، بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية والمجتمع المدني والقطاعات الخاصّة الإنتاجية، من أجل تأمين العدالة والتضامن والتكافل، مع المحافظة على قدرة الدولة ومرجعيّتها، لكونها المسؤولة عن تأمين نظام الحماية الاجتماعية (راجع المذكّرة الاقتصادية، الصادرة عن البطريركية، الفقرتَين 15 و16).

كيف تسمح القوى السياسيّة لنفسها أن تمعن في التعطيل الذي أنهك البلاد، وأوصل إلى تراجع كلّ المؤشّرات الاقتصادية، بالرغم من تحذيرات المؤسّسات المالية الدولية؟ وكيف تقوم بواجب إقرار سلسلة الرواتب والأجور فيما هدر المال العام يتعاظم، وعجز الموازنة يتفاقم من جرّاء ارتفاع الدَّين العام؟ وهل تدرك الأخطار التي يحملها مشروع الموازنة العامّة الجديد، بفرض عشرات الضرائب وزياداتها على المؤسّسات الاقتصادية والشعب اللبناني، خلافًا لكلّ قواعد الاقتصاد التي تقضي في الأزمات بتحفيز القطاع الخاصّ وخفض الأكلاف عن المنتجين للعودة إلى الاستثمار والنموّ، وبإيجاد فرص عمل للمواطنين؟

في الختام

لا بدَّ من أن يلتزم الجميع بمصالحة وطنيّة شاملة تطوي صفحة الماضي وتعيد الاعتبار إلى التسوية التاريخية التي جسّدها اتّفاق الطائف، والتي تقيم عيشنا المشترك على شروط الدولة الجامعة وليس على شروط فئة من اللبنانيّين؛ ومصالحة تعيد الاعتبار إلى النموذج اللبناني في العيش معًا، بعيدًا عن سياسة هذه المحاور. هذا النموذج الذي يكتسب اليوم أهمّية استثنائية في منطقة يجتاحها عنف مجنون يهدّد السلام في العالم بأسره. وفي هذا السبيل ينبغي تظهير فرادة التجربة اللبنانية في العالم بوجه عامّ، من حيث شراكة المسيحيين والمسلمين في إدارة دولة واحدة، وفرادتها في العالم الإسلامي بوجه خاصّ، من حيث شراكة  السنّة والشيعة في إدارة الدولة ذاتها، مقدّمين بذلك مساهمتنا اللبنانية في وأد الفتن المذهبية وتفادي الصدام بين أكثريّة وأقليات.

يؤلم الآباء في العمق تفاقم الوضع في سوريا والوجه الدموي الذي يأخذه، فبعد محو الثقافات يأتي دور الإنسان هناك. لا بد للضمير الدولي ولضمير الجهات المتقاتلة من وعي نتائج هذا الخيار المدمر والشروع بحوار حقيقي يبلغ إلى حلول سياسية، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم، وإلى عودة جميع النازحين واللاجئين والمبعدين والمخطوفين إلى عائلاتهم أوطانهم. وهذا يسري أيضًا على العراق وفلسطين وسواهما. هذا الشرق المتنّوع لا يحكم بالحديد والنار بل بالتعايش الحر والكريم والسلمي بين أبنائه. لقد آن الأوان للعودة إلى لغة العقل وصوت الضمير.

في شهر الوردية المباركة نتجه بأنظارنا إلى العذراء مريم، والدة أمير السلام طالبين منها أن تمسّ العقول والضمائر بحنانها حتى تكتب البشرية صفحة جديدة من تاريخها تكون مملوءة بالرحمة لا بالعنف، والظلم، والتسابق على السيطرة. فالتاريخ لا يكون تاريخ البشر إلا إذا كان تاريخ حبّ، ووئام وسلام.”

 
 
PageLines